في أروقة المدينة الرياضية “خوان غامبر”، يدور حديث خافت ولكنه مسموع بوضوح حول مستقبل أحد أبرز جواهر الأكاديمية: مارك بيرنال.
الأخبار الأخيرة التي تفيد بأن برشلونة بات منفتحاً لسماع عروض الإعارة فقط (دون البيع) في الميركاتو الشتوي الحالي، أثارت جدلاً واسعاً. كيف للاعب وُصف بأنه “سيرجيو بوسكيتس الجديد” أن يكون معروضاً للخروج؟
الإجابة تكمن في تفاصيل دقيقة تتعلق بالجانب البدني، التكتيكي، والمالي، وهو ما سنفصله في هذا التحليل.
أولاً: لماذا الإعارة “فقط”؟ (استراتيجية الخط الأحمر)
الخبر الأبرز ليس رغبة برشلونة في خروجه، بل الشرط الصارم المقترن به: “إعارة جافة” أو إعارة دون خيار شراء. هذا الموقف يكشف بوضوح عن رؤية النادي طويلة الأمد لبيرنال:
-
مشروع “غير قابل للمس”: إدارة برشلونة، وتحديداً ديكو المدير الرياضي، تنظر لبيرنال كأحد الأعمدة الثلاثة لمشروع الوسط المستقبلي (بجانب بيدري وجافي). تجديد عقده بشرط جزائي ضخم (500 مليون يورو) كان رسالة واضحة بأن اللاعب ليس للبيع تحت أي ظرف.
-
الاستثمار في التطور لا التخلي: فكرة الإعارة هنا ليست للتخلص من “عبء”، بل هي استنساخ لتجارب ناجحة سابقة (مثل إعارة إريك غارسيا إلى جيرونا). النادي يدرك أن جلوس بيرنال على دكة البدلاء في هذا العمر الحرج (خاصة بعد عودته من إصابة الرباط الصليبي الطويلة) قد يقتل موهبته.
-
التحكم في المصير: برشلونة يريد ضمان عودة اللاعب في الصيف القادم وهو يمتلك في ساقيه 15-20 مباراة كاملة في “الليغا”، وهو ما لا يمكن ضمانه حالياً في ظل ازدحام خط وسط البلوغرانا.
ثانياً: لماذا الخروج الآن؟ (ضرورة الميركاتو الشتوي)
توقيت يناير يحمل دلالات هامة جداً تتعلق بوضع الفريق واللاعب:
-
فخ “إيقاع المباريات”: بعد عودة بيرنال من إصابته الطويلة، وجد نفسه في مواجهة خط وسط متوهج. مارك كاسادو أثبت جدارته، ودي يونج عاد، وبيدري في أتم الجاهزية. هذا الازدحام جعل دقائق بيرنال شحيحة جداً. التدريبات وحدها لا تكفي لاستعادة “نسق المباريات” للاعب ارتكاز يحتاج لقراءة الملعب وسرعة رد الفعل.
-
ضغط النتائج: برشلونة ينافس على كل الجبهات، وهانز فليك لا يملك رفاهية الصبر على لاعب يحتاج لعدة مباريات ليرتكب أخطاء ويتعلم منها ويعود لمستواه. الفريق يحتاج “الآن” للاعب جاهز 100%، وبيرنال يحتاج لفريق يسمح له بالخطأ والتعلم، وهو ما قد يجده في أندية مثل جيرونا أو لاس بالماس.
-
اللعب المالي النظيف: رغم أن راتب بيرنال ليس ضخماً، إلا أن خروجه قد يفسح مجالاً صغيراً في سقف الرواتب لتسجيل صفقة طوارئ أو تحسين وضع مالي آخر، وإن كان هذا السبب ثانوياً مقارنة بالسبب الفني.
ثالثاً: موقف هانز فليك.. بين الحب الألماني والواقعية
هانز فليك هو أحد أكبر المعجبين بمارك بيرنال، وتصريحه الشهير في بداية الموسم (“أريدك لـ 15 عاماً قادمة”) لا يزال يرن في الأذهان. لكن فليك مدرب “واقعي” وبرجماتي من الطراز الألماني:
-
المعيار البدني الصارم: فليك يعتمد في نظامه (الضغط العالي والهجوم المباشر) على جاهزية بدنية قصوى. هو يرى أن بيرنال حالياً، بعد الإصابة، يحتاج لنسق تصاعدي لا يمكنه توفيره له في مباريات “كسر العظم” في دوري الأبطال أو قمم الليغا.
-
حماية اللاعب: فليك يدرك أن الدفع ببيرنال وهو غير جاهز تماماً قد يعرضه لانتكاسة أو لضغط جماهيري إذا تسبب في خطأ. لذلك، الضوء الأخضر من فليك للإعارة هو في الحقيقة “حماية” للموهبة وليس تخلياً عنها. المدرب الألماني يفضل أن يراقب تطوره عن كثب في فريق يلعب كرة قدم مشابهة (الاستحواذ)، ليعود إليه في الصيف وحشاً جاهزاً للقيادة.
المزاد الصامت على “بوسكيتس الجديد”: أين يجب أن تذهب بوصلة مارك بيرنال في شتاء 2026؟

في ظل تأكيد التقارير على أن برشلونة فتح الباب لخروج مارك بيرنال على سبيل الإعارة الجافة فقط، وضوء هانز فليك الأخضر لهذه الخطوة “المحسوبة”، يتحول السؤال الآن من “هل يرحل؟” إلى “إلى أين؟”.
اختيار الوجهة ليس مجرد تفصيل هامشي، بل هو القرار الذي قد يحدد ما إذا كان بيرنال سيعود لبرشلونة في الصيف “جنرالاً” جاهزاً لقيادة الوسط، أم سيعود فاقداً للثقة. فيما يلي تحليل فني دقيق لأبرز ثلاث وجهات مطروحة على الطاولة: جيرونا، ريال بيتيس، ولاس بالماس، ومدى مواءمتها لـ “DNA” برشلونة.
1. جيرونا: الجار الطموح (خيار التحدي العالي)
يبدو جيرونا، بقيادة ميشيل (أو خليفته إذا تغيرت المعطيات)، هو الخيار الأكثر إغراءً من الناحية التنافسية، خاصة مع العلاقات الممتازة بين الناديين (تجارب إريك غارسيا وأوريول روميو).
-
أسلوب اللعب: يعتمد جيرونا على كرة قدم عصرية، بناء من الخلف، وتبادل مراكز مستمر. بالنسبة للاعب ارتكاز، هذا يعني ضرورة امتلاك قدرة عالية على الخروج بالكرة تحت الضغط.
-
لماذا هو خيار جيد؟ :
-
بيئة تنافسية عليا: اللعب في جيرونا يعني المنافسة على مقاعد أوروبية، وهو ما يضع بيرنال تحت ضغط إيجابي يشبه ضغط برشلونة.
-
القرب الجغرافي: البقاء في كتالونيا يسهل على النادي متابعته ويحافظ على استقرار اللاعب الشخصي.
-
-
المخاطرة): خط وسط جيرونا غالباً ما يتطلب مجهوداً بدنياً جباراً في الضغط العكسي. بالنسبة للاعب عائد من إصابة صليبي، قد يكون النسق “اللاهث” لجيرونا خطراً، أو قد لا يضمن له مكاناً أساسياً فورياً في ظل وجود لاعبين جاهزين بدنياً أكثر منه.
2. ريال بيتيس: جامعة الوسط (خيار “الأناقة” الفنية)
دائماً ما كان “بينيتو فيامارين” مسرحاً للاعبين المهاريين. بيتيس يمتلك تقاليد عريقة في احتضان لاعبي برشلونة (مثل ألينيا، ميراندا، شادي رياض).
-
أسلوب اللعب: تحت قيادة مانويل بيليجريني (المهندس)، يلعب بيتيس كرة قدم تعتمد على “الدوبل بيفوت” (محوري ارتكاز). هذا النظام مثالي لبيرنال لأنه يمنحه شريكاً في الوسط يحميه ويغطي مساحاته، مما يسمح له بالتركيز على التوزيع والرؤية.
-
لماذا هو خيار جيد؟ :
-
النضج التكتيكي: بيليجريني مدرب يعشق اللاعب “الذكي”، وبيرنال يمتلك هذا الذكاء. سيتعلم هناك كيفية إدارة رتم المباريات.
-
حماية دفاعية: وجود محور آخر بجانبه سيقلل من الأعباء البدنية والالتحامات المباشرة التي قد يخشاها برشلونة بعد إصابته.
-
-
المخاطرة : المنافسة في بيتيس شرسة جداً في خط الوسط، وجماهير “الفيامارين” متطلبة جداً ولا تصبر كثيراً على الأخطاء.
3. لاس بالماس: “برشلونة الصغير” (الخيار الآمن)
تارخياً، لاس بالماس هو “الحديقة الخلفية” لبرشلونة (من بيدري إلى جوليان أراوخو). الفريق “الأصفر” يلعب كرة قدم تكاد تكون نسخة كربونية من أسلوب “لاماسيا”.
-
أسلوب اللعب: الاستحواذ المطلق، التمريرات القصيرة، واللعب التموضعي. لاس بالماس هو الفريق الوحيد في الليغا -بجانب برشلونة- الذي قد يفضل الموت بالتمرير على تشتيت الكرة.
-
لماذا هو خيار جيد؟ :
-
التطابق الفني: لن يحتاج بيرنال لأي وقت للتأقلم؛ اللغة الكروية هناك هي نفسها التي تعلمها منذ طفولته.
-
دقائق مضمونة: لاس بالماس يحتاج دائماً لجودة في التمرير، وبيرنال سيكون “الملك” في دائرة المنتصف هناك. الضغط الإعلامي أقل بكثير، مما يسمح له باللعب بأريحية واستعادة الثقة.
-
-
المخاطرة : الفريق غالباً ما يصارع في النصف الثاني من الجدول، مما يعني أن بيرنال سيقضي وقتاً طويلاً يدافع ويركض خلف الكرة أمام الفرق الكبيرة، وهو اختبار بدني شاق.
جدول مقارنة سريع: أين تكمن المصلحة؟
| وجه المقارنة | جيرونا (Girona) | ريال بيتيس (Real Betis) | لاس بالماس (Las Palmas) |
| أسلوب اللعب | هجومي شامل / ضغط عالي | تكتيكي / محور مزدوج | استحواذ / تمرير قصير |
| ضمان الدقائق | متوسط (منافسة قوية) | متوسط (حسب الجاهزية) | عالي جداً |
| التشابه مع برشلونة | 70% | 60% | 95% |
| الضغط الجماهيري | متوسط | عالي | منخفض |
| موقف فليك المفضل | قد يفضله لرفع النسق | قد يفضله للذكاء التكتيكي | قد يفضله لاستعادة “الفورمة” |
الحكم النهائي: ما هي الوجهة المثالية؟
إذا كان هدف برشلونة وهانز فليك هو “تجهيز وحش بدني” للموسم القادم، فإن جيرونا هو الخيار الأفضل لأنه سيجبر بيرنال على رفع نسقه البدني قسراً.
ولكن، إذا كان الهدف هو “استعادة الثقة وحساسية المباريات” بأمان تام، فإن لاس بالماس هو الخيار الذي لا يُعلى عليه. في “الكناري”، سيعود بيرنال لبرشلونة وقد لمس الكرة 100 مرة في كل مباراة، وهو بالضبط ما يحتاجه عقل “المايسترو” ليعمل بكفاءة مجدداً.